إنسانيات

فردانية الشعر و شيطنة الشاعر

الوليد الكندي

 

الشعر هو تلك الطاقة الشعورية الخلّاقة بداخل الإنسان.. الطاقة التي تعتمل بداخله نتيجةً لتفاعله مع الحياة و تجارب الوجود من حوله، و كذلك نتيجة لاستجابة النفس و تفاعلها مع المعارف التي تصلها بلا انقطاع من المحيط الخارجي.

إنه تفاعل الحس المرهف مع المشاهدات اليومية و احتكاكه مع العالم الخارجي مما يؤدي إلى تحفيز المخيلة البشرية و يجعلها تتماهى مع تلكم التجارب ثم ما تلبت أن تكثّفها في عباراتٍ أشبه ما تكون بصور منسوجة من أثواب الجمال.

 هذا التعريف يشترك فيه كل من الفن و الأدب و الشعر باعتبارها جميعاً قنواتٍ لتمظهر الوجدان النفسي للإنسان و لكيفية تعاطيه- الوجدان- و استجابته لتجارب الحياة عن طريق خلق و إبداع الصور الجمالية.

و لكن هل كان هذا هو معنى الشعر دائماً منذ ظهوره إلى ضوء التداول البشري؟ في الحقيقة فإن الشعر حين ظهر أول مرة إلى الوجود كانت وظيفته نقل التجربة الإنسانية الجمعية و تسجيل ما أبدعته مخيلة الجماعات من جمال تعبيري يعكس موقفهم من الحياة و من أنفسهم و من القوى العليا التي تتحكم بالطبيعة، بعبارة أخرى فإن الشعر في أول ظهوره كان تعبيراً عن قيم الجماعة و مواقفها المشتركة من موضوعات المادة الشعرية.

لذلك فإن تلكم الإنتاجات بجانب وظيفتها الجمالية كانت تقوم بوظيفة أخرى أكثر أهمية هي الوظيفة المعرفية، أي أنها كانت تعبّر عن الفكر الجمعي و عن الإرث الحضاري للشعوب و الأمم بجانبيه الديني/الميثولوجي و الأخلاقي/الأنثروبولوجي.

يظهر ذلك جلياً في أساطير التكوين و الخلق و سيَر الآلهة عند الحضارات الأولى، فآنذاك كان الشعر – كما الفن- أداة لتسجيل و توثيق تصورات الجماعة للكون و للطبيعة و رؤيتها للحياة، ثم حين ظهرت الملاحم لاحقا – التي اتخذت البطولات البشرية و ليس الآلهة موضوعاتٍ لها – صيغت هي كذلك في قوالب شعرية تمثل الجماعة و تجمع بين جمال الصياغة و الأسلوب و أبستمولوجية المحتوى الناقل للقيم و الأخلاق و السلوك و كذلك للتمثلات الكونية في العقل الجمعي.

من ذلك يتضح أن ما حدث لاحقاً مع ظهور الكتابة و شيوع أدواتها، هو أن الشعر اتجه ليكون أداة بيد الأفراد و ليس حكراً على الجماعات، و تعلم الأفراد أن يستخدموا هذه الأداة للتعبير لا عن روح الجماعة كما في السابق بل عن مواقفهم الذاتية و عما تفرزه مخيلة الفرد من صور جمالية خاصة ناتجة من تفاعله الخاص مع القضايا الإنسانية و ما يمليه عليه شعوره من فيوض شعرية لا تمثل جماعته بالضرورة.

إن الشعر في مفهومه الحديث أرخى قبضته عن دور الكشف المعرفي الذي رافقه طوال قرون، ليدنو أكثر من دوره في تلبية داعي الذائقة الجمالية للوجود و إعادة خلق و تمثّل العالم بقوة المخيلة المولدة للصور الإبداعية.

و لكن هذا الاستقلال بالإبداع ظل في عُرف الجماعات المحافظة يستوجب أن يكون محكوماً بضوابطَ مستقاةٍ من التعريف القديم للفن، اي أنه يجب ألا يخالف ما اتفقت عليه الجماعة من مواقف تجاه الحياة و تجاه القضايا المعرفية.

و يتجلى هذا الصراع بين التيارين القديم و الجديد في الشعارين المتعارضين اللذين يرفعهما كل من الطرفين فأحدهما ينادي ب”الفن كرسالة” في مقابل الآخر الذي يرى بأن “الفن لأجل الفن”، فإذ يطالب الفريق الأول بأن يكون كل منتج فني(شعر، قصة، لوحة، مسرحية،…) قد وضع نصب عينيه هدفاً يُعنى بتعزيز تصورات الجماعة و قيمها المتفق عليها، فإن الطرف المقابل صاحب شعار “الفن لأجل الفن” يرى على النقيض من ذلك بأن الفن هو هدف في حد ذاته باعتباره ملبياً لنداء الجانب الجمالي في النفس البشرية و أن ليس من المحتم عليه أن يكون موجهاً لأية أهداف زائدة أو خارجة عن ذلك.

و بالعودة إلى الحديث عن رفض مؤسسة المجتمع لبعض مظاهر الذاتية الفردية في الشعر، نرى بأنه ليس رفضاً مطلقاً بل غالباً ما ينجح في اختبار المصادقة من المجتمع و تياراته المحافظة، و لكن بما أن سياق حديثنا هو عن التجارب التي تمت شيطنتها، فسنورد بعضاً من الأمثلة -من الأدب العربي بطبيعة الحال- التي يتجلى ضدها الرفض كأشد ما يكون و بالتحديد من قِبل ممثلي الأحزاب المحافظة و المتشددة، و موقف الشيطنة هذا كما قلنا ناتج من التصور الوظيفي القديم للشعر باعتباره حاملاً معرفياً، لذلك تحاكم مقولاته في ضوء المتعارف عليه من مسلمات الثقافة الشعبية. إن مثل هذا المنطلق من الرفض الشعري نجد جذوره عند أفلاطون الذي أقصى الشعراء من مدينته الفاضلة لأنهم يشوهون الحقائق الموضوعية و يوغلون في الخيال و الاستعارات.

المثال الأول: قصيدة الطلاسم لإيليا أبو ماضي يفتتحها قائلا “جئت لا أعلم من أين و لكني أتيت.. ثم أبصرت قدامي طريقاً فمشيت.. وسأبقى ماشياً إن شئت هذا أم أبيت.. كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري”

المثال الثاني: يقول نزار مخاطبا حبيبته “امنحيني وطنا في معطف الفرو الرمادي.. اصلبيني بين نهديك مسيحا.. عمديني بمياه الورد و عطر البيلسان”

المثال الثالث: يصف أمل دنقل حال الثائر الروماني سبارتاكوس قائلا على لسانه “المجد للشيطان معبود الرياح.. مَن قال “لا” في وَجْه مَن قال “نعمْ”.. مَن علَّم الإنسانَ تمزيقَ العدمْ.. و قال “لا” فلم يمتْ وظلَّ روحًا أبديةَ الألمْ”

لا مراء بأن المتذوق العادي العامي حين تمر عليه هذه الأشعار سوف يستنكرها و يقف منها موقف الرفض و هو ما يتجلى كما قلنا في موقف المحافظين و ذلك بسبب عدم تفرقتهم بين الجمالي و المعرفي، و جهلهم و عدم تمييزهم بين الذاتي الفردي كما ينص عليه التعريف الحديث للشعر في مقابل الجماعي المشترك قديماً في التجربة الشعرية. لذلك فهو موقف بديهي و متوقع في ظل تغييب المفهوم الشعري الفرداني الذي تنطلق منه هذه النصوص و هو مفهوم ينطلق من أن اللغة و التراث بل و المقدسات كلها قابلة للاستغلال و التوظيف شِعرياً و فنياً في سبيل إيصال الموقف الوجداني المتولد في مخيلة الشاعر.

أما المتلقي المدرك للخصوصية الفردية و الذي تعود على تذوق الأساليب الجمالية في التعبير، فسيلج مباشرة إلى لبّ التجربة الشعرية المتفردة، متجاوزاً الاقتباسات الشكلية للقوالب الجمعية للوصول إلى عمق المعنى القابع خلف تلك التراكيب و المفردات، فمع أبي ماضي سيعيش مشاعر التيه و الاضطراب الوجداني و القلق الشكوكي كما عاشه الشاعر و هذه جميعها مشاعر مغروسة في النفس البشرية تمكّنَ الشاعر من مقاربتها و استكناه طريقة غشيانها للفرد. أما نزار فينقل لنا شعور المُحب و تشوقه إلى القرب من محبوبه مستخدما في ذلك الميثولوجيا كمجاز يعبر من خلاله عن امتزاج الجسدي بالروحي في حالة العشق. و في قصيدة دنقل بلغ الشاعر قمة التعبير عن مشاعر الثورة و الانتفاض حين استعار مفهوم الشيطان بكل ما يحمله من مضامين الرفض و العناد، و في هذا السياق الشعري الداعي إلى الثورة و الذي ورد فيه هذا المقطع يصبح الشيطان مدلولاً يعبر بقوة عما يستعر في النفس من غضب و هو يشبه المجاز الذي نستخدمه في العامية حين نصف الإنسان الغاضب بقولنا(خرجت شياطينه).

من هذه الأمثلة يتبين لنا كيف أن مفهوم الفن و الأدب شهد تطوراً أصبح يحيل إلى حساسية الفرد نحو قضايا الإنسان و الحياة و كيف أن هذا التطور طال كذلك وسائل التعبير ذاتها و التي انفتحت على مجمل الإرث الثقافي البشري فوظفته بما يكسر المألوف نحو خلق العمل الإبداعي العميق في شاعريته.

waleedkindy001@gmail.com

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق