إنسانيات

عدوى المشاعر على مواقع التواصل الاجتماعي

جبرتي تويتر

في شهر يناير من عام ٢٠١٢ قام فريق يتكون من باحثين في فيسبوك وباحثين في جامعة “كورنيل” الأمريكية بإجراء بعض التجارب على مشاعر حوالي 700 ألف من مستخدمي الموقع، دون علمهم. كان الهدف من هذه التجارب هو الإجابة على هذا السؤال: هل تتأثر الحالة النفسية لمستخدم الموقع بالمشاعر التي يعبر عنها أصدقاؤه في رسائلهم التي تظهر له على صفحته؟

ولمعرفة الإجابة قام الباحثون بإجراء تجربتين: في التجربة الأولى، حذف الباحثون كل الرسائل التي تعبر عن مشاعر إيجابية مثل السعادة والرضا والتفاؤل من الرسائل التي يراها مستخدمو الموقع، وتركوا فقط الرسائل التي تحمل مشاعر سلبية مثل الحزن والغضب والتشاؤم. في التجربة الثانية، فعل الباحثون العكس، فحذفوا كل الرسائل التي تحمل مشاعر سلبية وتركوا فقط الرسائل التي تعبر عن مشاعر إيجابية. ولتمييز الرسائل التي تعبر عن مشاعر عموما، ثم تصنيفها إلى مشاعر سلبية أو إيجابية، استخدم الباحثون برنامج “لووك” (LIWC) الذي صممه دكتور “جيمس پبنيبايكر”، عالم النفس بجامعة “تكساس – أوستن” الأمريكية، وهو واحد من أكثر البرامج المستخدمة في دراسات التحليل النفسي للنصوص اللغوية.

استمرت التجربة أسبوعا. ثم قام الباحثون بتحليل ما كتبه “المشاركون” في التجربة على الموقع أيضا باستخدام برنامج “لووك”، فوجدوا أنه عندما يتعرض مستخدم فيسبوك لجرعة من الرسائل الإيجابية أعلى من المعدل الطبيعي فإن ذلك يجعل مزاجه إيجابيا بشكل كبير، ويظهر ذلك بوضوح في زيادة نسبة الرسائل والتعليقات الإيجابية التي يكتبها. والعكس صحيح، فإن رسائله وتعليقاته تطغى عليها مشاعر سلبية عندما يتعرض لمزيد من الرسائل السلبية. كما وجد الباحثون أيضا أن تعرض مستخدم الموقع لمزيد من الرسائل التي تعبر عن مشاعر عموما، بصرف النظر عن كونها سلبية أو إيجابية، ترفع عنده الاستعداد للتفاعل على الموقع في شكل رسائل وتعليقات على رسائل الآخرين.

المعنى أن المشاعر على شبكات التواصل الاجتماعي معدية وأن مشاعر أصدقائنا (الافتراضيين) على هذه الشبكات تؤثر بدرجة كبيرة على مشاعرنا ومزاجنا، فيتسرب حزنهم أو فرحهم إلينا ثم إلى ما نقوله أو نكتبه – دون أن ندري – ودون أن نتواصل معهم بشكل مباشر.

لكن ما لم تتناوله الدراسة هو أن العكس قد يحدث، فقد تكون مصائب البعض سببا في سعادة سوداء يشعر بها آخرون في شكل شماتة، وقد تشعل الأخبار السعيدة التي ينشرها البعض عن أنفسهم نار الغيرة والحسد عند آخرين. ومن يتابع مواقع التواصل الاجتماعي في العالم العربي، وخاصة فيسبوك، يعرف جيدا أن شماتة بعض البشر في الموت قد تصل في بعض الأحيان إلى درجة من السواد لا تستطيع قلوبهم السيطرة عليها. أما الخوف من الغيرة والحسد فيجعل البعض يخفي أخباره السارة “ويحميها” من عيون الحاسدين بغلاف من الشكوي المتواصلة من سوء الحظ. وقد يحدث أيضا أن يأخذ الإنسان لحظة سعيدة في حياته ويجمد الزمن قبلها وبعدها ويلخص بها على مواقع التواصل النسخة السعيدة من حياته. أضف إلى ذلك المشاعر التي تثيرها الشائعات بحلوها، وهو قليل، أو مرها، وهو كثير، التي تنتشر على هذه المواقع في بعض الظروف. والنتيجة أن المشاعر على مواقع التواصل الاجتماعي قد لا تكون مؤشرا دقيقا لنبض الواقع، فقد تأتي أقل أو أكثر من المشاعر والتجارب التي يعيشها بعض البشر بالفعل.

درجات التأثير الثلاثة

والمشاعر ليست كلها سواء، فالسعادة أقل في عدواها الاجتماعية من الحزن. فقد توصلت دراسة* للباحث “أليسون هيل” وفريق مشارك من الباحثين في جامعة هارفارد أن كل صديق سعيد يزيد فرص سعادة أصدقائه بحوالي ١١٪، بينما حزنه قد يزيد فرص حزن أصدقائه ضعف ذلك. أي أن الحزن أكثر عدوى من السعادة.

والوحدة أيضا معدية، ربما لأن من يعيشونها لا يثقون كثيرا في الآخرين فتنتقل عدوى عدم الثقة إلى من حولهم. ففي نفس الدراسة وجد الباحثون أن عدوى الشعور بالوحدة يمكن أن تنتقل إلينا من الأصدقاء أكثر من أفراد العائلة وبين النساء أكثر منها بين الرجال. والوحدة مثلها مثل السعادة والحزن قد تنتقل من صديق إلى صديق صديق ولكن بدرجات مختلفة. فصديقك الذي يشعر بالوحدة قد يزيد فرص إحساسك بالوحدة بنسبة من ٤٠ إلى ٦٥٪، أما صديق صديقك فقد يزيد إحساسك بنسبة تتراوح من ١٤ إلى ٣٦٪، وصديق صديق الصديق من ٦ الى ٢٦٪. وهو ما يطلق عليه ** “درجات التأثير الثلاثة”.

والشعور بالوحدة لا يعني غياب العلاقات مع الآخرين، بل أن هذه العلاقات لا تثمن ولا تغني من جوع وأنها لا تشبع رغبة الونس والفضفض، علاقات باردة، أحيانا، وقد تكون عدائية، أحيانا أخرى.

*المصدر: https://royalsocietypublishing.org/doi/full/10.1098/rspb.2010.1217

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق