إنسانيات

السلطة والنفوذ وقتل الأقارب

هبة ناصف

السلطة والنفوذ من متع الحياة التي يبيع الانسان من أجلها كل غالٍ ونفيس حتي يصل إليها .و بسبب الرغبة في السلطة قد يُقدم  الإنسان علي ارتكاب جرائم لأجل الوصول إليها ، هي وليست مجرد جرائم عادية يمكن تقبلها مثل قتل منافسٍ علي السلطة ، لا بل إنها جرائم ضد الطبيعة البشرية كأن يقتل الأب ابنه ، أو أن يقتل الابن أباه، و قد يقتل الأخ أخاه، و تقتل المرأة ولدها، كل هذا رغبة في السلطة أو كما أسميه ” سحر الكرسي ” الرغبة في أن تأمر فتُطاع، الرغبة في أن تستطيع التحكم في مصائر الشعوب، وتريد هذا لنفسك فقط لا أن يكون حتى في نطاق عائلتك، وكم من جرائم ضد الطبيعة البشرية  بُررت لأجل الحصول على هذه السلطة.

صراع الأخوين الأمين والمأمون.

التاريخ بشكل عام والإسلامي بشكل خاص يحفل بمثل هذه الجرائم.  فنرى مثلاً في الدولة العباسية في عصر هارون الرشيد حيث أوكل ولاية العهد إلى أبنائه بالترتيب الأمين، فالمأمون، ثم المؤتمن، وكتب صحيفة بذلك عُلقت على الكعبة، ثم مات عام 193 هـ وهو ابن أربع وأربعين سنة. فولي الأمين الخلافة الذى كان مدعوماً من زوجته زبيدة والهاشميين حيث كان الأمين عربياً خالصاً عكس المأمون الذي كانت أمه فارسية رغم أن المأمون كان يكبر الأمين في السن، فعَهد الرشيد للمأمون بخراسان وما حولها تحت سيطرته، وللمؤتمن بالجزيرة العربية. بعد استقرار الحكم للأمين أراد أن يخلع المأمون من ولاية العهد بإيعاز من وزيره الفضل بن الربيع و تولية ابنه موسى، فعزل المؤتمن من ولاية شبه الجزيرة وأقره علي قنسرين والعواصم، ثم خلعه منها واستقدمه إلى بغداد، وأوفد الأمين إلي خراسان وفداً لأخذ البيعة إلى ابنه موسى بن الأمين في ولاية العهد وتقديمه على المأمون، ولكن فشل سعيهم. وبإيعاز من  الفضل بن الربيع تمت البيعة إلى موسى بن الأمين و تم الدعاء له على المنابر دون المأمون والمؤتمن. ثم حدثت المواجهة العسكرية بين جيش الأمين وجيش المأمون والتي انتهت بمقتل الأمين وتولي المأمون خلافة الدولة العباسية.

رسم تخيلي لهارون الرشيد وهو يستقبل وفد شارل مان بريشه بوليوس كوزكت 1846

أعطى الخليفة المتوكل العباسي ولاية العهد لأبنائه محمد الذي سماه بالمنتصر، وأبي عبد الله بن قبيحة و سماه بالمعتز ، وإبراهيم و سماه المؤيد. رأى الخليفة المتوكل أن يُقدم ابنه المعتز على أخويه المنتصر والمؤيد في ولاية العهد لحبه لقبيحة أم المعتز، وأيضا يقال أن ذلك كان راجعاً إلي ما حاكه رجال بلاط المتوكل من دسائس لإقصاء المؤيد والمنتصر حيث كان الأخير هو الأحق بولاية العهد. ولما علم المنتصر بهذا غضب وقام بتدبير مؤامرة لقتل والده مستعيناً بالأتراك ولكنه نجا منها وعرف بما دُبر له عن طريق وزيره الفتح بن خاقان، ولكنه ما لبث أن قُتل على أيدي الأتراك فاستقرت الخلافة لابنه المنتصر .

مؤامرة مقتل الخليفة المتوكل

الخليفة عبد الرحمن الناصر يضحي بابنه

وفي الدولة الأموية في الأندلس قتل الخليفة عبد الرحمن الناصر ابنه عبد الله رغم ما عُرف عنه من التقى والورع ، و ذلك بسبب وصول أخبار إلى الخليفة الناصر تفيد بأن عبد الله يدبر لاغتياله لأنه أعطى ولاية العهد لابنه الحكم على حسابه  وهو الابن الأكبر سناً، فقبض عليه وسجنه وتم تنفيذ الإعدام فيه في صبيحة عيد الأضحى .

تشريع قتل الاخوة

إبان الدولة العثمانية  كان من الطبيعي أن يقتل السلطان أخوته، وهى الجريمة التي تم تقنينها من قبل السلطان محمد الفاتح الذى أقر قانوناً يقضي بقتل أي  شخص يشكل بقاؤه على قيد الحياة خطراً على العرش، بدأ هذا منذ تمرد صاووجى  ابن السلطان مراد الأول بعد أن أحس بقرب أخيه الأكبر بايزيد من السلطان،  الأمر الذى انتهى بمقتل صاووجى مع عدد من أنصاره، وبعد مقتل السلطان مراد الأول في  ساحة القتال  نُصب بايزيد سلطاناً و لقب بالسلطان  بايزيد الأول، وكانت أول اعماله هي التخلص من أخيه يعقوب خنقاً، مبررا ذلك بالحرص على وحدة البلاد، وبعمله هذا بدأ  تقليداً و ليس تشريعاً يقضي بقتل الأخوة. في القرن الخامس عشر ظهر التشريع  أثناء عهد السلطان محمد الفاتح الذى أقره ببند خاص في قانون نامة الذى ينص على ” وأي شخص يتولى السلطة من أولادي، فمن المناسب أن يقتل الأخوة من أجل نظام العالم، وأجازه أكثر العلماء فليعملوا به”، وقد أقر هذه الفتوى علماء الدين زاعمين أنها لا تتعارض مع الشريعة الإسلامية.

توجد نماذج أخرى تحتاج إلى بحث كامل لسردها، وجميعها دلائل تشير لما قد يفعله الانسان إذا ما طمع في الوصول إلي كرسي السلطة، إذ لن يقف أمامه أي وازع أخلاقي  أو ديني أو رابطة دم. وعموماً فالتاريخ كثيراً ما يعلمنا مدى صعوبة اجتماع حب السلطة والأخلاق في شخص واحد.

المصادر :

ابن الأثير الكامل في التاريخ

الطبري تاريخ الرسل والملوك

ابن حيان المقتبس

Encyclopedia of Islam

مجلة مركز بابل – العدد الثانى 2011 – شريعة قتل الأخوات

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق