إنسانيات

مواقع للذاكرة

أميرة الشحي

لم أعرف عن كمبوديا سوى اسمها، وبضع صفحاتٍ في مقرر الآثار والسياحة تذكر أنها بلد المعابد المقدسة، والمهددة بنمو الأشجار الجهنمي* في داخلها، والأهم من كل ما سبق أنني كنت أتأمل أن أعود بعود كمبودي أرخص مما هو في أسواقنا. في المطار اكتشفت أن أربعة آلاف ريالٍ كمبودي تعادل دولاراً واحداً!

ساحة الشعب:

هنالك ساحةٌ سرقتنا، وتسببت في إلغاء كل الأجندة التي اجتهدت في وضعها على متن الطائرة. بعيداً عن بلادي وجدت ساحةً لا تشبه أي ساحةٍ في مخيلتي، أعرف ساحتين مسرحيتين تقف فيهما فيروز وحيدةً، لتُختزل فيهما ثيمة الوحدة في الجمع، الأولى هي ساحة البياعين التي تُركت فيها بياعة البندورة وحيدة، والأخرى هي ساحة المدينة التي احتضنت هالة الخائفة، من وجوه سكانها العارية(1). أما في هذه الساحة الكمبودية، فقد كان من السهل إيجاد صلة بالمكان، وكسر جدار الغربة، والتخفف من عباءة السائح الغريب. ما اختلف هذه المرة أنني ومنذر صنعنا روتيناً خاصاً في السفر. تعرفنا سريعاً على محيط الفندق، هنالك عربات تَنَقُّلٍ يُطلق عليها “التوك توك”، ومتحفٌ، يقابلنا قصر الملك، ومن خلفنا معبدٌ وسوقٌ يطلان على النهر العظيم الذي يلفظ نذور الدولارات المطبوعة، والأمنيات المغلفة، كل هذا في مربعٍ لا يتعدى كيلومترين مربعين.

في أول صباحٍ كانت الساحة خاليةً بعد جولتنا في قصر الملك، ومساءاً تحولت إلى حفلةٍ تضج بالحياة، والأصوات، والروائح، عوائل بأكملها تتربع على الأرض، وتبيع كل ما يمكن انتشاله من النهر القريب. أحد أهم المعالم الدائمة في الساحة هو رجلٌ في منتصف العمر، سابحاً على الدوام في أقصى درجات الثمالة، مطوقاً رأسه بورودٍ من الشارع، ويحتسي علبة نبيذٍ مع كل أغنية، راقصاً في وسط حشدٍ من المراهقين. كان هذا السرب الكبير من المراهقين والمراهقات يجتمع في كل أمسيةٍ ويرقص على أنغام البوب الغربية، الموسيقى تدور في الجو وتدعو كل عابر للانضمام لهذا الحشد الراقص، أما نحن فنتربع تحت نصب كمبوديا ونراقب المدينة الصاخبة، جميعنا على مرأى قصر الملك.

تمثِّل ساحات الشعب حول العالم رمزيةً وطنيةً خاصة، فهي الساحة التي تقابل القصور الملكية دائماً، هناك حيث يمارس الشعب حياته اليومية فيغني، ويرقص، ويصرخ، ويحتج. في كمبوديا جمعت الساحة أبناء الوطن، الذين مزقتهم الحروب المتوالية منذ الستينات وحتى مطلع التسعينات. لفترةٍ طويلةٍ كانت كمبوديا ساحة حروبٍ بالوكالة، تتقاتل على أرضها بلدان أكبر منها، لتختم هذه السلسلة من الحروب، بحربٍ أهليةٍ كلفت هذا البلد الكثير.

ونحن في سفرنا ذاك، قررنا أن نختبر المدى الذي يمكننا أن نبتعد نحوه… وحيدين، كلٌ منا في طريقه، لنعود مساءاً إلى الساحة، نذوب في حياة الشارع، ونقتنص القصص، نطوف سيراً على الأقدام حول مقر إقامتنا في فندق بوابة القصر، من النهر إلى السوق، ومن السوق إلى الساحة، ومن الساحة إلى دكان حارتنا، ومن دكان الحارة إلى المتحف، وهنالك دائماً دقائقُ مستقطعةٌ؛ لأبتاع التمر الهندي الذي لا أكف عن تناوله حتى يطلب مني منذر، وبحزمٍ أن أتوقف!

ليلتها قررنا أن نمشي لنفتش عن مطعمٍ قريبٍ، ووسط الزحام التقط منذر كلمةً عربيةً، ألتفت لأراه مع صبيةٍ كان يسألها:  “تتكلمي عربي؟؟؟ تتكلمي عربي؟؟؟؟” في تلك اللحظة اعتقدت أنهما سيبدآن شجاراً، اسم الفتاة هو راما. لاجئةٌ سوريةٌ من عمري، وهي العربية الوحيدة التي صادفناها في شوارع كمبوديا، وكانت ناجيةً لتوها من ملاحقة سيدةٍ لها بسكين؛ لأنها لم ترض أن تشتري منها! ضحكنا كثيراً، ثم استدركت راما أنها ناجيةٌ من الحرب كذلك. حاولنا اختزال كل قصصنا في دقائق كما لو أن أعواما فرقتنا، وكأن الشمس على وشك الانطفاء بعد لحظاتٍ. لا أتذكر كيف قادنا هذا الحوار المشتعل و المتشعب حول كل شيءٍ، وأي شيءٍ، إلى أن تغني راما بصوتها الشفيف:

“ابعتلي جواب، جواب وطمني

ولو إنو عتاب، عتاب، عتااااب لا تحرمني

ابعتلي جوااااب”.

ذهب كل منا في اتجاه، دون أن نترك خيطاً يربطنا!! بحثنا في تلك الليلة عن راما طويلاً على صفحات الإنترنت، وفي الخامسة صباحاً وجدناها على إحدى شبكات التواصل الاجتماعي… كنت ممتنةً جدا للشارع الذي قاد راما، وقادنا إلى هذه الصداقة اليوم.

حقول الموت:

في كل مرةٍ كنت أختفي عن ناظر منذر، كان يجدني في المتحف المجاور، تحديداً في قاعة تماثيل بوذا الخشبية، لم يصلح القيمون على المتحف تلك التماثيل المكسورة، بل عرضوها بندوبها -دون تدخلٍ أو ترميمٍ-، علاوةً على كونها إحدى مدارس الترميم المتبعة لاعتبارات انخفاض التكلفة، وحفظ القيمة العلمية؛ يعد خيار الحفظ في مقابل الترميم، خياراً مفضلاً لدى الكثير من مديري التراث والآثار، والذين قد يعيدون ردم الموقع الأثري بعد تنقيبه وتوثيقه؛ لحفظه للأجيال القادمة؛ لحين توفر المادة والإمكانات لعرضه. هنالك ممارسات أخرى للحفظ  تكفل استمرار الأثر كما هو، حيث تنفق الأموال على عملية حفظ الأثر وتوفير المحيط الذي يضمن بقاءه كما هو لأطول فترة ممكنة. هذا يشبه إلى حدٍ كبيرٍ ما يمارسه الفنان الإفريقي الذي يؤمن أن المنحوتة يجب ألا ترمم، وإن رممت فإن هذا الترميم ” يترك الندوب ظاهرةً للعيان دليلاً على أنها حيةٌ، وأننا أحياءٌ”، لا مفر من الخلل فهو جزءٌ من قصة حياة المنحوتة. ما يفعله الفنان هو تحرير الوجه الذي كان محبوساً في قلب جذع الشجرة، ولذلك لا يكتمل العمل مالم ينفذ على جذع الشجرة وهي حيةٌ(2).

لكمبوديا ندبتها كذلك. هي ما رأيته في ساحة الشعب كل ليلةٍ، وما سمعته في قصص من عاصروا الحرب وحملوا السلاح، في عيني سائق التوك توك الذي كان يوماً ما قناصاً، واكتشف اليوم أنه سائق توك توك يحب الحياة، إنها نفس الندبة التي سمعت صداها في نبرة عازف الناي الذي أسس مدرسةً للرقص، بعد أن كان يحمل رشاشاً قبل أربعة عقودٍ. بين كل الخيارات التي تستنكرها إنسانيتنا ونحن في حالة سلمٍ، يجيد بدر الحمداني أرجحة القارئ في مسرحيته المعنونة بــ “خياراتٌ في زمن الحرب”؛ ففي كل مشهدٍ يقف عربي وزوجته خالدة في صراعٍ للبقاء، أمام خيارين، نصف الموت، أو صراخ الأمعاء الخاوية. بين أن يقتلهما الجوع أو أن يمسيا راقصةً وطبالاً، يعودان إلى البداية حيث المساحات الجديدة للاختيار، خيار آخر يرسم نهايةً أخرى. في كل مشهدٍ، تتحول خيارات عربي لتصبح أكثر بشاعةً، هل يشوي أيادي جيرانه الذين أدركهم الموت، أو يملحها لأيامٍ أخرى مجدبةٍ. تتوحش شخصية عربي ليتعلم اللعبة وينخرط فيها، هو من يقتل الجوعى الآن. وأخيراً ينبثق خيار الهرب وترك الأرض، أو الانضمام إلى الميليشيا المسلحة، ليكون هو اليد التي تبيد من يريد الأعداء إبادته من مدينته. في خطابه الأخير نحو الجمهور، يقف عربي قائلاً: “عندما تمشي في طريق المستحيل، تتكشف لعينك دروب الممكن، وفي زمن الحرب كل الخيارات ممكنةٌ”(3).

بعد الحرب، حولت كمبوديا أحد مواقع القتل والتعذيب إلى مزارٍ سياحي يطلق عليه اسم “حقول الموت”، صاغ هذا الاسم الصحفي الكمبودي الهارب منها ديث بران. انتزعت مجازية هذا الاسم من موقع ضم ذاكرة مئتي ألف كمبودي سيقوا، وعذبوا على يد أبناء جلدتهم. تم إحراقهم وشنقهم ودفنهم أحياء في هذه المعسكرات. في اللحظة التي خلفنا فيها الشارع الحي وراءنا وخطونا أولى خطوةٍ في هذا المزار الأخضر الممتد، كان الموت حاضراً كإلهٍ صامتٍ. مختبئ تحت الأشجار الكثيفة، والمستنقعات. أُجريت حفرياتٌ أثريةٌ لاستخراج رفات الضحايا بعد انتهاء الحرب الأهلية، فيما عرضت أدوات القتل والتعذيب في موقعها الأصلي كما هي، في المواضع التي تركها القتلة قبل أربعين عاماً، حبال الشنق متدلية من جذوع الأشجار. كان من السهل أن نجد أجزاء من بقايا ملابس الضحايا وعظامهم، وفي وسط هذا المعسكر يرتفع المعبد، وهو برجٌ عالٍ مشيدٌ من جماجم من ماتوا، رصت بانتظامٍ حسب الجنس والعمر… نعم، لم يستثنَ أحدٌ، رضعاً كانوا أم عجزةً، نساءاً ورجالاً، كلهم عذبوا أو دفنوا أحياءً.

وظفت اليونسكو تعريفاً للمواقع التي شهدت حدثاً جماعياً أليماً كهذا، وكانت سبباً في تغييرٍ تاريخي فارقٍ، فأطلقت عليها مواقع الذاكرة. لتشمل بهذا التعبير الفضفاض العديد من مواقع المحارق، والمذابح الجماعية، والمواقع التي شهدت ممارسات كالرق والتطهير العرقي، مواقع أخرى شهدت انبثاق الحرية ورفع الصوت، مواقع وثيقة الصلة بالذاكرة والضمير الإنساني(4). فيما تتحاشى بعض الشعوب أجزاء من ماضيها، فتلغيها، أو تشوهها، تلجمها أو تجملها؛ وضعت كمبوديا يدها على الجرح وضمدته، حفظت أثر الندبة ليراها أبناؤها ويدركوا بشاعة الحرب.

إن لجوزيف فونتانا كتاب بعنوان، The Distorted Past، يستعرض فيه تصنيفاتٍ وضعها لما أسماه بالماضي المشوه، منها الماضي المجهول ،والماضي الطاهر المثالي، والماضي المبتكر بالكامل، وأخيرا الماضي الأصيل نسبياً، أو ما يكتب من وجهة نظر المنتصر. يعتقد فونتانا أن الماضي المشوه ماهو إلا جملة من تجليات الضغوط السياسية والاقتصادية، إضافة إلى محاولة تلبية التوقعات التي يبحث عنها السياح في تجاربهم(5). يتمثل ذلك في إحدى الجدليات العميقة بين مجالي السياحة والآثار، وهي جدلية الأصالة في عرض الأثر كمنتجِ. فيما يبقى علم الآثار مخلصاً جداً للحقائق المادية، تحاول السياحة تطعيمه بالقصص بهدف استقطاب السائح الذي دائماً ما يبحث عن قصة. ولكن الماضي الحقيقي له سحره كذلك، وهو الذي أفرز نوعاً جديداً من السياحة أطلق عليها “السياحة المظلمة”، فبعد 75 عاماً على إلقاء القنبلة النووية على مدينة هيروشيما، والتي أسمتها القوات الأمريكية “الطفل الصغير”، مات سبعون ألف شخصٍ في هذا الحدث المأساوي إلا أن قبة جينباكو -وهي الصرح الوحيد الذي صمدت هياكله ولم تساوى بالأرض- أدرجت من قبل اليونسكو كأحد مواقع الذاكرة رمزاً يصور قلب الانفجار، مبنىً تهدمت جدرانه لكن اليابان قررت حفظه وإيقاف الزمن في تلك البقعة لتكون شاهداً على قصةٍ حقيقيةٍ قد حدثت. رأيت عشرات الصور ومن كل الزوايا لصوامع القمح التي ظلت شاخصةَ في انفجار بيروت الأخير، أعلم أنها ستبقى في ذاكرتي وذاكرة الملايين، وأعلم أنه من السهل أن تُفقد القصص في عالمنا العربي أيضاً.

خرجنا من حقل الموت إلى الشارع مرةً أخرى، وعرض علينا سائق التوك توك أن نكمل الجولة إلى المعتقل القريب من المعسكر إلا أننا اكتفينا ، وعدنا إلى الفندق.

في اليوم التالي، عبرنا نحو إحدى الجزر، كانت فتاة القرية من جيل الألفية، والتي تعمل كمرشدة في معمل الحرير على الجزيرة، ترى أضواء المدينة من جزيرتها.  تتطلع نحو تلك الضفة، وتحلم بأن تكمل دراستها الجامعية وتجوب الشوارع بدراجتها ككل أبناء العاصمة. لكن قبل أربعة عقود لم يكن هذا خيار لوانغ.

لوانغ… “في البداية قتلوا أبي”:

في غرفة المعيشة ببيتٍ كمبودي،  يذاع خبر انسحاب القوات الأمريكية من كمبوديا، بعد أن كان اجتياحها كامتداد لفيتنام، مجرد ضرورةٍ حربيةٍ! على الشرفة تقف الطفلة “لوانغ”، وهي تحاول الإمساك بطائرةٍ محلقةٍ في السماء، تدخل وترقص مع إخوتها ثم تنسحب عندما يبدأ الحديث عن السياسة؛ لتخربش وردةً على أوراق أبيها العسكري في الجيش الحاكم.

في ذات اللحظة يحتل جيش الخمير الحمر الشارع من تحتهم، ويتم إجلاء سكان العاصمة لمدة ثلاثة أيامٍ، تلاحق الطفلة الحرب بعينيها. تتذكر شجارها مع أخيها عندما نفذ الطعام، وفستانها الأحمر الذي صادره الخمير الحمر، لم تعرف من هي الأطراف التي تخوض هذه الحرب. إنها فقط تعد بأصابعها الأيام الثلاث، حتى تعود إلى البيت. انقضت الأيام الثلاث لكنهم لم يعودوا، قتل الخمير الحمر أباها، واضطرت لوانغ مع أخويها إلى إنكار بعضهم، كل منهم غير اسمه وحمل السلاح، تعرف لوانغ أن الرهبان مجبرون على العمل في الحقل وليس بمقدورها إدراك أبعد من هذا المشهد الذي تراه، يختتم الفيلم بمشهدٍ لها وهي تقف على أرضٍ ملغومةٍ، لم تكن تدرك ما الذي يحدث، ولماذا تنفجر الأرض من تحت أقدام الهاربين المذعورين، لكنها استوعبت أخيراً أن خطوتها القادمة قد تقودها إلى الموت، وهنا ينتهي الفيلم الهادئ الطويل، من إخراج أنجلينا جولي(6).

لقد لغمت حدود كمبوديا بالكامل، وهي تعد من أكبر الدول المزروعة بالألغام في العالم، لكن الحروب التي توالت على كمبوديا صنعت منهم خبراء بنزع الألغام، حيث تقول كريستن لوند قائدة قوة الأمم المتحدة في قبرص، إن عملية نزع الألغام في قبرص لا تقارن أبداً بما واجهه الكمبوديون في بلادهم. فعلى الرغم من أنه قد تم إزالة 27 ألف لغمٍ من 74 حقلا ً للألغام  في قبرص، يبقى أن عدد الألغام في كمبوديا قد يكون مقارباً لعدد سكانها(7).

خيط صوف أحمر وأمنية:

عدت من كمبوديا بلا عودٍ كمبودي، لم أزر المعابد المقدسة، معي خيطٌ أحمرُ لفَّته حول معصمي سيدةٌ في المعبد وباركتني، وخيطٌ أحمرُ آخر لم ينقطع مع راما، وحنينٌ كبيرٌ جداً إلى الساحة.

……………………

  • من أكبر المهددات التي تواجه التراث في كمبوديا هو نمو الأشجار التي تزعزع أساسات المعابد المقدسة.
  • المراجع العربية:
  1. مسرحية الشخص(1968)، للأخوين الرحباني، ومسرحية هالة والملك(1967)، للأخوين الرحباني.
  2. بريتون، ج. ج. (2012). الفنون الأولى. أبوظبي: هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، مشروع كلمة.
  3. الحمداني، ب. (2018). مسرحية خيارات في زمن الحرب.
  4.    https://aawsat.com/home/article/477311/   
  • المراجع الأجنبية:
  1. Interpretation of Sites of Memory, 2018, https://whc.unesco.org/document/165700 · PDF file
  2. Fontana, J. (1995) the Distorted Past: A Reinterpretation of Europe. Translated by Colin Smith. (The Making of Europe.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق