إنسانيات

ماذا فعل بي كورونا (الحلقات 16 – 18)

أشرقت شمس الصباح… أرسلت خيوطها الذهبية إلى شريشة الحوش والعصافير والحياة…لم تكن هُناك أخبار بعدُ عن أُمّي…وكانت القلوب قد بلغت الحناجر في الليلة الفائتة…وكُنا جميعاً ننتظر رسالة أخي…القادمة من المستشفى والتي تشرح حالة أمي اليوم وكيف قضت ليلتها وكيف أصبحت…لم تصل الرسالة بعد.

كُنت أنا في هذا اليوم قد تعافيت من المرض تماماً…وأصبح بإمكاني ممارسة حياتي الطبيعية… خرجتُ للحوش سعيداً بالعودة لما كُنت عليه… وكأنّ قيوداً قد فُكّت عني وأغلالاً قد نُزعت عن عُنُقي… جلست تحت الشريشة مُتلذذاً بنسيم الصباح المُعطّر بعبير زهور الشريشة… صاح الهاتف مُعلناً عن رسالة… كان أخي الأكبر يُبلغنا أنّ نتيجة فحصه وزوجته قد أثبتت أصابتهما بكورونا…بدأت النفس تعتاد الخبر ولم تعد الإصابة أمرا عظيما… ثُمّ لم يكن ذلك مُستغرباً فأعراضهم كانت قويّة… والمُطمئن في الأمر الآن أنّهم في آخر مراحل التعافي… فهو خبر للعلم بالشيء فقط.

بعد دقائق… تلقّيتُ اتّصالاً من موظف وزارة الصحة… كان يسأل عن إصابة أخي الأكبر… ومتى زار البلد ومتى ظهرت عليه الأعراض…ثمّ بعد أن زوّدته بكل التفاصيل… أخبرني  أن تدرّج الإصابة يتطابق أكثر مع أن يكون أخي الأكبر هو الناقل للمرض… وبحكم  مخالطته لأمّي وأختي وزوجها في تلك الفترة… دون أن يعلم أصلاً أنّه مُصاب.

عندما أنهيت المحادثة… وجدت أخي المُتابع لحالة أمّي وقد تهللت أساريره… و أرسل أنها اليوم في حالٍ أفضل… وقد نزعوا عنها صباحاً مساعد التنفس… واستطاعت الأكل قليلاً… أردف قائلا: يبدو أنّ جسمها يتفاعل جيداً مع الأدوية المساعدة لتخفيف تأثير كورونا… هذا الخبر نقل القلوب إلى دائرة الاطمئنان… والتفاؤل بما هو قادم.

شعرتُ بارتياح لم أشعر به منذ مدّة… فقد تشافيت اليوم… وتحسن حال أمّي… وشاركني أخي الأكبر احتمالية نقل المرض لأُمّي والجميع… فخفف عن كاهلي بعضاً من ذلك الحِمل الذي أرهقني لفترة…فالمشاركة حتى في الهم تُخفف عن النفس…. والأهم من ذلك كله… أن حالهم جميعا يُبشّر بالخير ويُعلن قرب إنجلاء هذه الغمامة السوداء عن سمائنا… فقد تتالت الأخبار المُفرحة بعد سيل الأخبار المُحزنة.

تعاقبت الأيّام بعد تعافيَّ ولحقت بي أختي  وزوجها  وأخي الأكبر وزوجته…. أمّا أُمّي فقد تحسّن حالها ببطء و لبثت قُرابة الأسبوعين في المستشفى… عانت خلالها كثيرا… حتّى فقدت بعضا من ذاكرتها… وتدّنت حالتها النفسية لدرجة أنها كانت تود القفز من السرير متى ما استطاعت ذلك….وبعد أسبوعين خرجت عائدة إلى المنزل…لتعم الفرحة والبهجة أوساط أهلها ومحبيها… لم أستطع رؤيتها حتى بعد الخروج من المستشفى..وكانت زيارتي لها بعد شهر ونصف مُنذُ أن رأيتها آخر مرة في زيارتها لي في المنزل… لقاء كالولادة من جديد … دون مُصافحة أوقبلة على رأسها وإنما سلام القلوب فقط…داعبتها قائلاً من نقل لك العدوى؟… فأجابت: ربّي.

هذه التجربة…كانت من أصعب التجارب في الفترة القريبة من حياتي… خرجت منها بعدّة دروس…وهُنا سأوجز بعض الدروس التي تعلمتها خلال هذه الفترة العصيبة التي عشتها :-

١- بالرغم من احتياطي وأخذي بسُبُل الوقاية من كورونا إلا أنّه أصابني ومع الإصابة وانتشار الخبر اندلقت أنواع الإشاعات التي  تُعلل وتشرح لماذا وكيف أُصبت وكأنها جريمة قُمت بها مع سبق الإصرار والترصد.

٢- كانت بعض الإشاعات التي خرجت مؤلمة بل أن بعضها كان يقول أنني كُنتُ أتعمّد زيارة محلات المواد الغذائية وملامسة السلع من أجل نشر العدوى…ووصل الأمر أن يذهب بعض الأشخاص لتحذير المحلات القريبة من زيارتي لمحلاتهم.

٣- كورونا سيؤلمك جسدياً لكن لا تسمح للإشاعات وكلام الناس أن يؤلمك نفسياً حتى لا تتكالب عليك كل العوامل. تجاهل كلام الناس وإشاعاتهم قدر الإمكان.

٤- في هذه الفترة لا تسمح لأحد أن يبقى على اتصال معك إلاّ الأحبة وأصحاب الشخصيات الإيجابية المتفائلة العاقلة المتزنة. بعض الأحبة قد يؤذيك حبّه دون قصد.

٥- ستتلقى الكثير من الاقتراحات التي لا تسمن ولا تُغني من جوع… تلك الاقتراحات التي تقترح لك كيف كان من المفروض أن تتصرف في ما مضى… واجهّا بالصمت ولا تفكر أن تناقشها أو تقنع صاحبها.

٦- نَم كلما أحسست أنّك بحاجة للنوم ومارس الرياضة يوميا ولو في غرفتك لمدة ربع ساعة.

٧- اشغل نفسك بالأخبار الإيجابية والمقاطع المضحكة التي ترفع من سقف تفاؤلك.

٨- واظب على العبادة قدر المستطاع فذلك الجانب الروحي سيقوي عزيمتك.

٩- بعد التعافي لا تنطلق في الحياة وإنما خُذ الأمور بالتدرّج… لا تُخالط أهل بيتك مباشرة وإنما خُذ فترة أمان ليطمئن قلبك.

١٠- أوعز لمن حولك بمنع الزيارة حتى بعد التشافي… فقد أخذ الحماس محيط أهل أمي بعد تعافيها…مما سبب خِصاماً مؤقت بين المتحمسين للزيارة والمتحفظين.

في نهاية هذا الحديث…وزارة الصحة تقوم بدور وجهد جبّار من أجل احتواء الجائحة… كانوا يتواصلون معي يومياً في الصباح والمساء للاطمئنان وتوثيق أي مستجدات والتعاطي مع أي إجراءات تتبع ذلك… تعاون معهم بكل إيجابية… واحمد الله أنّك في هذا الوطن الغالي. .. وفقهم الله وحفظهم من كل مكروه… وحفظ عمان وقيادتها وأهلها من كل شر.

انتهى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق