إنسانيات

ماذا فعل بي كورونا (الحلقات 13-15)

مُعدّل الأُكسجين في دم أمي تناقص إلى مستوى ٨٨٪ بعد أن كان ٩٧٪ حينما وصلت للمستشفى…. هذه كانت المعلومة المُقلقة في رسالة أخي الليلية… المعلومة التي جعلتني لا أستطيع الجلوس… ولا التركيز ولا العمل… وأدخلتني في حالة من الهلع والخوف المُبكي… خصوصاً عندما تأتي تلك المعلومة من أخي المختص بذلك الجانب…العالِم بحيثيات وتبعات ذلك الهبوط الذي سبب له القلق…تمسح دموعك وتستجمع رباطة جأشك… لتعود تلك الصّور والأحداث على مُخيلتك… كورونا… أنت… ثم أمّك…يتبع ذلك التهاب رئوي…وينهار مستوى الأكسجين بهذه السرعة.

كانت تُجاهد لدفع الأكسجين في جسدها السبعيني النحيل… أعياها ذلك فتدخّل الطاقم الطبي لدعمها… غاب عنها النوم وتسمّرت جاحظة العينين… تدخلوا مُجدداً وأعطوها جرعة منوّم… نامت بعد ثلثي الليل…لعلّها ما زالت نائمة الآن… لم تُصلّ الفجر كعادتها في سجّادتها السميكة… لتبقى عليها حتى تشرق الشمس… فتبدأ صباحها بركعتي الشروق… وفي الطرف الآخر من محرابها يحتسي هو فنجان قهوته التي يستهل بها صباحه بعد الفجر… اليوم أشرقت شمسها وهي بين ستائر غرفة العزل… يُلازمها قناع الأكسجين البلاستيكي…وأشرقت شمسه هو بين حيطان أربعه…في بيتٍ غير بيته وبيتها… لا صلّى في المسجد… ولا جلس قريباً من محرابها… ولعلّه لم يحتس القهوة أيضا.

بقيتُ أنا في حالة هلع…تستعر في داخلي أحاسيسُ مُتضاربة… لا يُطفئ نارها إلا خروج أُمّي سالمة…حاولت الاتصال بأخي فلم يرد… وما زال ظهوره في الوتس أب هو حين أرسل رسالته الليلية… أرسلتُ له راجياً منه أن يتواصل مع المستشفى في الحال وأن يطمئنَّ على وضعها…فما عدت أحتمل.

كُنتُ أترقّب… بين قعود وقيام… وإطلالة من نافذة الحياة… وتردد متواصل على هاتفي بحثاً عن رسالة الاطمئنان التي لم تصل…هو أصلاً لم يقرأ رسالتي بعد… ثُمّ وبعد حين… وصلت رسالة… سارعت في فتحها والنظر في محتواها… لم يكن أخي… وإنّما أختي التي ظننت أنها تسأل عن الحال وتطمئن… والمفاجئة أنني وجدتها تقول: لقد ظهرت نتيجة فحص زوجي وهو مصاب بكورونا… يُضاف “الشمج” إلى القائمة التي يبدو أنّها لا تُريد الاضمحلال… ويُضاف لي أنا شخصياً همٌّ آخر وحِملٌ آخر على أكتافي المُجهدة التي شارفت على الانهيار.

كدتُ أنهار فعلاً أمام ذاك الكم الهائل من القلق… القلق الذي بدأ يرسم لوحة قاتمة مجهولة للمستقبل القريب… ساءت حالة أمّي وتصاعد العدد بصورة لا تُعطيك مجالاً لالتقاط أنفاسك…تضعك تحت ضغط لم تَخبُرهُ يوما…وكأنك في حرب كُلما أحسست أنك قد تنتصر تأتيك غارة أخرى مباغتة وقوية… فتبعثر أوراقك وتبدد حساباتك.

كانت الساعة الحادية عشرة والنصف… حينما علمت أنّ أخي الأكبر وزوجته قد قصدوا المستشفى للفحص… نعم لقد كانت لديهم أعراض سابقة…حتى قبل أن تبدأ أعراضي أنا… زارونا في القرية قبل مُدّة وعادوا للعاصمة…تمّ تشخيصهم في تلك الفترة بإنفلونزا موسمية… أخذتني أفكاري لاتجاه آخر… وأرقني تصاعد وتيرة الأحداث الذي أمسى أشبه بحبكة فلم سينمائي… كل ذلك أفقدني اتّزاني الذي كنت أجاهد نفسي ألّا أفقده.

كنت وحيداً في غرفتي… كاتماً أنفاسي المتصاعدة…في يومٍ من أعظم الأيام عاطفةً في حياتي… وجدتني لا شعورياً أكتب رسالة… وجهتها لأهل قريتي الصغيرة…كتبتها من زاوية ما أنا فيه وما أراه… ناصحاً لهم وموضحاً أن الأمر ليس بالهيّن… وأنّك حينما تنزلق لمثل هذا الحال… ليس من السّهل أن تعود لسابق عهدك… ما إن أرسلتها… حتّى طافت عمانَ قاطبة… بل ووصلت لما خلف الحدود… مما أثار ضيقاً داخلياً في نفسي إضافةً لما أنا فيه من ضيق…لا لسوء أو عيب في الرسالة… وإنما للمنحى الذي أخذته الرسالة وكيف تمّ التعامل معها.

في الجانب الآخر… أبلغني أخي أنّه هاتَفَ مسؤول الطاقم الطبي في المستشفى…وأخبره المسؤولُ أنّها ما تزال تحتاج إلى جهاز مساعد التنفس… وأشار أيضاً إلى أنّها لا تتعاون معهم عندما يُقدّم لها الأكل.

هذه أحد أعراض كورونا… قد تفقد الشهية بعد فترة… ويغدو جسدك محتاجاً للطعام لمواصلة معركته المصيرية… لكنك لا تستسيغ الطعام ولا تشتهيه…مما قد يُضيف للفيروس ورقة رابحة…وبالطبع هي خاسرة لك…والآن تمرّ أمي بهذه المرحلة… التي قد تجرّها لمرحلة أسوأ لا قدّر الله.

بعد الظّهر في ذلك اليوم… حاولت أن أُهيئ نفسي لأسوأ مآلات الأحداث…وأنّ عدداً من المحجورين الآخرين قد ينضمون إلى مجموعتنا…. مجموعة كورونا… المجموعة التي أخذت في الازدياد… ومع ازديادها يزداد شعوري بالذنب بصفتي الحالة رقم واحد في العائلة…الحالة التي تسببت في كل هذه الفوضى… وكل هذا الفزع…الحالة التي أطلقت أفواه القرية والولاية بمختلف الإشاعات والحكايات والخرافات… وسمحت للناس أن يخوضوا فيما ليس من حقّهم سِوى أنّهم سمعوا القيل والقال.

بعد العصر…وفي آخر محادثة بين أخي والطبيب المكلّف بحالة  أمّي… كان الطبيب يستأذن أخي في وضع أنبوب تغذية لأمي بعد أن امتنعت عن الطعام… لا يُريدون لها أن تخسر الغذاء المتوازن بعد أن بدأت تخسر التنفس الطبيعي السليم…قد يكون كورونا ساهم بقوّة في فقد شهيتها للأكل… لكننا كُنا نعلم أنّ عُزلتها وخوفها من المستشفى قد ساهما في ذلك… كان الخبر ثقيلاً علينا كإخوة وأخوات…وبدأت بعض القلوب الرقيقة في البكاء… فذاك الانحدار في حالتها الصحيّة يُنذر بما لا تُحبه وترجوه لعزيز.

ذلك المساء كان حزيناً صامتاً… حزيناً لدرجة أن تمشي بهدوء…وكان مُتعِباً ثقيلاً لدرجة أن تكتب رسائلك المُتفرّقة بإيجاز … ولا تعلم هل تقوّي نفسك؟ … هل تشدّ من أزر القلوب المُتخمة بالخوف والدموع؟… هل تُتابع مع أخي الموكل بحالة أمّي…. والذي واصل نقاشاته ومحادثاته مع المستشفى… مُحاولاً الوصول لحلٍّ أمثل في كيفية التعامل مع أمي في الساعات القادمة…أم تُتابع وتطمئن على المصابين الآخرين والفاحصين المتأخرين… أحداث ليس من السهل أن تحيط بها أو تقوى على مجاراتها دون أن تهمل بعض جوانبها.

أثمرت نقاشات أخي في تأخير أنبوب الغذاء… ومواصلة المحاولات في إقناع أمّي بالأكل… لعلّ الحال يتحسّن… وتبدأ بعض الأدوية في تخفيف تأثيرات الالتهاب… واستقرار الحالة العامّة لوظائفها الحيوية.

تِلكَ الليلة كانت الأقسى…تُدرك أنّك قد تفقد من لم تفقد مثله في حياتك… ولن تستطيع تعويض فقده فيما تبقّى من حياتك… وستعيش إحساساً لم ولن تعيش مثله في حياتك… تلك الليلة… رأيت كُل مراحل طفولتي مع أمي … رأيتها في بيتنا القديم…بنشاطها الذي يصحو مع المآذن… وينتهي بعد العشاء… تحمل على أكتفاها بيتاً من أربعة عشر فردا…ومزارعَ وماشيةً وأبقارا… تجلب حليبها صُبح مساء… تصوغ لبنها وسمنها بأيديها المُباركة… مُشمّرةً كادحةً من أجل الحياة.

تذكّرتُ ابتسامتها…وغضبها… وحنانها… وكل مناقبها الدافئة…فتأخذك تلك الذكريات… ترميك أمام سريرها الطبي… وثغرها الملاصق لبلاستيك جهاز التنفس…فينساب الدّمع تسليماً وألما.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق