إنسانيات

ماذا فعل بي كورونا (الحلقات 10 – 12)

أذّن المؤذّن… حلّ الليل… كُنت جالساً على الأريكة…… حينما وصلتني رسالة صوتية من أخي الطبيب في فرنسا… يقول فيها بأن مكالمته الأخيرة مع الوالد كانت غير مطمئنة… وأنّ الوالد يعيش حالةً نفسيةً مُتدنّية…كان أخي يوصينا بمحاولة رفع معنويات الوالد قدر المستطاع…ولأنه بحكم اختصاصه يعلم أن الحالة النفسية من أهم العوامل لمواجهة الإصابة حال حدوثها.

سرح ذهني في آخر رسالة لأخي…تخيّلتُ أن الوضع يتافقم لِيُصاب أبي كذلك… والمُرجّح جداً بحُكم اختلاطه الدائم بالوالدة والاهتمام بها…طردتُ تِلك التخيُّلات… رفعت هاتفي من أجل الاتصال به…رنّ الهاتف طويلاً… ظننتُ أنّه لن يرُد… ثم أجاب كعادته :”مرحبا”.. حييته وسألته عن حاله…تغيّر صوته في الحال… أصبح متقطّعاً مخنوقاً بعَبرة… أجابني بصيغة السؤال:” كيف حالي؟ وأمك تُعاني وأنا ما عارف مو وضعي”… صمتَ قليلاً ثُمّ قال جُملةً رفعت عن كاهلي الكثير من الحِمل… قال:”انته ما جُرمك شيء (أي لا ذنب لك) … قاطع عمرك عنا (أي عزلت نفسك عنّا) … والقدر أنها وحدها جت تزورك”…قال ذلك بتسليم وثقة… تداخلت عواطفنا حينها…أحسستُ أنّه في قمّة همّه لم ينسَ أن يربت على كتفي…و بالرغم من أنه أراحني فقد أضاف لي حالُه همّاً آخر… حاولت طمأنته
قدر الإمكان… استودعته الله وأغلقت.

بعد تلك المُكالمة… حدّثتُ نفسي وكأنني شخص آخر… كنتُ أسأل نفسي وأرد على نفسي…. استمر ذلك لبعض الوقت… ثم صمتُ… وتذكرتُ أنني أود الاطمئنان على أمي…هاتفتُ أخي الذي كان القناة الوحيدة للوصول إليها… أجابني بأنّها مُستقرّة… لكنّه غير مطمئن لبعض وظائفها الحيوية… وأنّه سيأخذها غداً لإجراء بعض الفحوصات للاطمئنان.

تلك الليلة كانت الأعراض لا تُذكر… إلا أن الغد المجهول… والحال المُقلق…جعلها الأسوأ…أمواجٌ من الأفكار تتقاذفك… تخرج من هذه لتدخل في تلك… تسرق ما تبقى من نوم في جفونك…وتتركك دون إجابات… دون فهم… دون يقين.

إنّه صباح جديد… صباح الثلاثاء…. كُل ما كان يحدث كل صباح حدث كعادته…العصافير على الشريشة… (صِدِّيق) والحليب… الرحلة الصباحية…كُنتُ بعيداً عن ذلك كلّه… لا أستشعر وجوده أصلاً…تفكيري وتركيزي مُنحازٌ مع تلك الفحوصات التي ستُجرى اليوم… والتي سوف تُحدد لأي منحنى سننعرج.

حاولتُ أن أشغل نفسي ببعض المراسلات البريدية المتعلقة بالعمل…فهي العالم الوحيد الذي يُخرجني ولو قليلا مما أنا فيه… قاطعني (صدّيق) باتّصال…كان مُنزعجاً مُستغرباً… قال:” أرباب أنا روح عيادة منشان ضروس أنا خربان… أنا في الليل ما فيه نوم… وقت روح عيادة نفر جاي معلوم انته أرباب… كله جاي خوف هو كلام روح تعال بعد عشرة يوم”…هززتُ رأسي…هل تنقصني هذه الأحداث الآن… أنّبته لماذا ذهب دون إبلاغي…وقد حذّرته مراراً وتكراراً من مخالطة الناس… فما أن عرفوا بأنّه يعمل لديّ حتى خاف جميع من في العيادة… حتى أنّ بعض الحضور أسرعوا هاربين حسبما ذكر… ثمّ أمروه بالرحيل في الحال… وجدت لاحقاً رسالة وتس أب من قريب يسألني عن الموضوع نفسه… وأنّه تلقّى اتّصالاً من صاحب العيادة يتأكد هل صدّيق مُصاب أو محجور؟ …أكّدتُ له أن لا شيء من ذلك…وأنّه ذهب دون علمي.

ظُهْر ذلك اليوم… كُنّا جميعاً ننتظر الرسالة القادمة من المستشفى…التي تحملُ في طيّاتها الجديد… تخيّلتُ أخي مُنزوياً في زاوية أحد ممرات المستشفى… رافعاً هاتفه يهمس بتلك الرسالة التي ستصل لجميع الإخوة والأخوات داخل الوطن وخارجه…يُخبرهم بأنّ الوالدة خضعت لكل الفحوصات المطلوبة… وقد أظهرت النتائج أنّ التهاباً قد بدأ في الظهور أسفل الرئة.

هذا ما يفعله كورونا… يصلُ للرئة ويتكاثر…ثُمّ حينَ يكتشفه الجسم… ويدرك أن لا مُضادات لديه لهذا الدخيل الغريب…يُحاربه بكل شيء يمتلكه مما قد ينعكس سلبا على الجهاز التنفسي يعقبه انهيار.

كان أخي يقول في آخر رسالته بأنّ أُمّي ستبقى في المستشفى من أجل الملاحظة…وستبقى وحيدة بسبب العزل… وأنّها ستأخذ بعض الجرعات من المضادات التي تُخفف من تأثير الالتهاب وتُحقن في الوريد.

انتابتني خيفة داخليّة من رسالة أخي… ومن مُكوث أمّي في المستشفى…ومن تبعات ذلك عليها وعلى أبي وعلينا…كانت الأسئلة كثيرة في رأسي وأكثرها دون إجابة… وما كان من حل سوى التسليم… ورفع مستوى الأمل والتفاؤل للغدِ القادم.

ضجّت العائلة الكبيرة مساء ذلك اليوم… فالأحداث كانت سريعة… والخبر الجديد قد شاع…وتهافتت الاتصالات مجدداً… تطمئنُّ وتستفسر…أمّا أبي المحجور في الجانب الآخر… فقد ساء حاله كثيراً حين علم بالأمر… ولم نعد نعلم كيف لنا أن نُخفف عنه…واحدةٌ من تلك اللحظات التي تقف فيها حائرا… لا تعلم ماذا تفعل سوى الصمت والتأمّل.

في تلك الليلة… حينما وضعت رأسي على مخدّتي…تخيّلت أمي وحيدة في جناح العزل… بملابس المستشفى… مع إضاءة خافتة… وصوت المعدات الطبية من حولها… ووجوه تزورها لا ترى منها سوى العيون…. وخوفها الذي نعلمه جميعاً من المستشفى وكل ما يحتويه…ثمّ تخيلتُ أبي الذي عادةً ما ينتهي نومه عند الثانية ليلا…لعل نومه اليوم لم يبدأ ولم ينتهِ…تُلازم عقله الثمانيني تِلك الأفكار والأخبار التي ظلّ يُتابعها في نشرات الأخبار… حتى تشبّع بها وتأثّر… فما عاد يرى في الأفق سوى الموت…روحه تُحلّق الى المستشفى لتطمئن على رفيقة دربه… التي يؤلمه مرضها أكثر مما يؤلمها.

لازمتني تلك التخيّلات حتى وقت مُتأخر جداً…. حين سَمِعتُ صوت رسالة وتس أب نزلت على هاتفي… الغرفة معدومة الإضاءة باستثناء الضوء الداخل من نافذة الحياة… كان بإمكاني الوصول للهاتف بسهولة وفتح الرسالة… لكنني أحسست بالخوف…الخوف من محتواها…. فلم أفتحها وحاولت تجاهلها…ثُمّ تصاعد خوفي من أن أنام وأنا لا أعرف محتواها…وفي ظل ذلك الصراع…وجدتُ نفسي غفوت.

في أَول الصباح… قُمتُ وأنا أتذكّر الرسالة… وكأنها كانت في أحلامي طوال الليل…التقطت هاتفي بسرعة… وفتحت الرسالة.. وجدتها من أخي…كان كمن يشكي خوفه وقلقه لقريب أو يُحدّث نفسه… كان يقول في رسالته أنّهم اتصلوا به من المستشفى…يُبلغونه أنّ معدّل الأكسجين عند أمي قد نزل… وأنهم اضطرّوا لتعويض ذلك النقص بجهاز مساعد التنفس…قال لي في آخر رسالته: لا أُخفيك أنّه ينتابني قلق عظيم.

أعدت رسالته أكثر من مرّة… حتى لا أكون قد سهوت عن أي معلومة…بدأ نبضي يتسارع… وأحسست بتوتر شديد… كُنت قد شرعت بالاتصال به… لولا أن تداركت الوقت وأشفقت أن يكون نائما بعد أرقٍ طويل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق