إنسانيات

ماذا فعل بي كورونا؟ الحلقات (7-9)

عصر ذلك اليوم…كُنتُ على نافذة الحياة… أُمسك بكوب شاي الزنجبيل… الذي أصبح يُلازمني كُلّ مساء… ولا يطيب لي احتساؤه في فراش المرض… فأستجمع قواي الخائرة واحتسيه على النافذة…. هُناكَ في الشارع المُقابل…بعضُ الفتية على دراجاتهم الهوائية… يقودونها بطريقةٍ أفعوانية… صاح أحدهم فجأة: كورونا… قهقهوا جميعاً …. كِدتُ أضحك لولا الألم الذي اشتد في الحلق.

قبل الغروب… عَلِمتُ أنّ أعراض الحمى ما زالت تُلازم أُمّي وأُختي…لتُشعل ذلك الهاجس الذي ما كاد يخمد ليشتعل مُجدداً…ذلك الذنب الذي يوبّخك باستمرار… أنت السبب… أنت جلبته وأهديته لأمك وأهلك في أسوأ هدية… غداً قد تُرفع عنك الأقلام وتجفّ صُحف برائتك أو يُلازمك الذنب والألم… ربما ما حييت وللأبد… غداً سيُكشف المستور.

حلّ الليل… ولا أعلمُ لماذا تزداد الأعراض ليلا…وكأنها تفقهُ أنك ستخلد للنوم… لتحرمك إيّاه… تتقلص أطرافك بفعل الحمى التي تنهش جسدك…تلتوي على نفسك وفراشك كدودة القزّ…تُباغتك كحّةٌ جافّة… تُحسّ أن رئتيك ستخرجان من مكانها…تذكّرت المتنبي وزائرته التي لا تزوره إلا في الظلام…تبسّمت…ما لبثَتْ أن تلاشت تِلك الابتسامة… مع ضيق نفسٍ جديد.

في صباح الإثنين…صحوتُ وأنا في حالٍ أفضل بكثير…كان صباحاً جميلاً خفيفاً…خُصوصاً بعد أن وضعت هاتفي وضع الطيران…بسبب تُخمة الاتصالات التي انهالت عليّ…فما عدت أستطيع تلقّي المزيد…أذكُر أنها كانت الساعة الحادية عشرة والنصف… حينها كُنت أُشارك في اجتماع مُصوّر عبر الإنترنت… مع فريق العمل في المؤسسة التي أعمل بها…وردتني رسالة واتساب من موظف الوزارة… يسألني بأنه يُحاول الاتصال بي دون جدوى…شَعرتُ بوخزٍ في أعلى رأسي…وأنّ الخبر الذي كواني جمر انتظاره قد وصل… تركتُ اجتماعي وهاتفته في الحال… استفتح كعادته بكلماتٍ طيّبة… أخبرني بعدها أنّ نتائج الفحوصات قد ظهرت…أحسستُ أنَّه رفع من نَسَق صوته حين قال: “ظهرت”… بلعتُ ريقي مرّتين… ضغطت على سمّاعة الهاتف على أُذني كي أسمع التالي بوضوح أكثر… استرسل أن أُمّي وأُختي مُصابتان بكورونا…كتمت أنفاسي… كنتُ واقفاً وقعدت… كورونا الذي كنتُ أخشاه أن يطال أمي وأبي…وحذّرتُ جميع أهلي أن يتسببوا في نقله إليهم… أمي وأبي في عمرهما هذا ووهنهم هذا…أُمّي التي لم يعد يهمها في هذه الدنيا سِوى أولادها ومحرابها…أبي الثمانيني الذي فارقه نشاط الشباب وقوّته…أبي الذي يتسمّر كل يوم أمام الشاشة مُتابعاً لأخبار كورونا… العارف بما يفعله كورونا بالكبار.

تمالكتُ نفسي واستجمعت قواي إلى أن أنهيت المحادثة… وفي الحال هاتفت أخي الذي يعتني بأمي… أخبرته بما وردني من أخبار…وأنّ وفد وزارة الصّحة سيزورهم لحصر المخالطين ومتابعة المصابين…قال كلمةً لم أفهمها… لكن كانت تُعبّر عن تضاربٍ في رأسه… أصابَهُ همٌّ عظيم… سألني وردد السؤال: هل أنت مُتأكد من الأسماء؟ … ولا ألومه على ذلك التكرار لأنّ جميع أهل بيته قد خالطوا أمي… وسيجب مواصلة عزلهم…لتعقب ذلك مرحلة ترقّب مُخيفة لِمَا قد تسفر عنه الأيام المقبلة.

بعد أن أبلغت أخي… جاء دور أختي… والتي سأحتاج لاستخدام كل ما أوتيت من فنون الإقناع والدبلوماسية معها…المرتعبة أصلا قبل أن تُصاب… الخائفة لحدّ البكاء على أطفالها وبيتها… رنّ الهاتف…خِلال ذلك كُنتُ أرتّب الأفكار في رأسي…قُلت لها بعد مقدّمة عن التوكّل والقضاء والقدر والأخذ بالأسباب: أنتِ مُصابةٌ بالمرض… صمتت كثيراً حتى ظننت أنها أغلقت الهاتف… تلت ذلك شوشرة خفيفة… ثمّ سمعتُ صوت بُكاء…قاطعتها مُحاولاً طمأنتها بأن كل شيء سيكون على ما يُرام… والآن عليها فقط مواصلة عزل نفسها وسيكون الجميع بخير…. باغتتني بسؤالها: أتعلم لماذا أبكي؟ … قُلت: لماذا؟… قالت زوجي ظهرت عليه الأعراض صباح اليوم…. وكُنا ننتظر نتيجة الفحص… قد يشتعل بيتي بأكمله…وأجهشت بالبكاء.

حينها تشتّتت الأفكار التي ظلَلْتُ أجمعها… ثُمّ فُتِح عليّ وقُلتُ لها: الآن الواقع أصبح واقعا… لن يتغيّر مهما بكينا…وعلينا التعامل معه بما ينبغي… لن ينفعنا الحزن ولا البكاء…وإنما اتّباع الإجراءات المطلوبة بصورة علمية.

قاربت الساعة الواحدة ظهرا…. كانت مهتمي الصعبة حينها حصر المخالطين لأُمي… فهي لن تتذكر الجميع… ومؤكدٌ أن عددا من عجائز القرية ونسائها قد زُرنَها في الفترة القصيرة الماضية…مما قد يؤدي لانتشار الوباء إن حدث خطأ أو نسينا أحدًا…أُحاولُ جاهداً الوصول للجميع… تشغلني وتقطع أفكاري رسائل واتصالات الخبر الجديد… الذي انتشر سريعاً… وأصاب الجميع بالذُّعر.

في تِلكَ الفترة… تحتارُ ما هي أولويتك… وتتداخل أفكارك ومهماتك… لدرجة أنك قد تبدأ في شيء لتتركه من أجل شيءٍ آخر… هل تعتني بنفسك…تُتابع حال أمّك التي تسببت بعدواها…. تسأل عن أختك أو زوجها الذي هرول للتو للفحص… تهدئ من روع أبيك الذي يرى إصابة الكبير موتا مُحقّقا…تُلاحظ المعزولين هل طرأ جديد… تُوفّر اللوجستيات والتموينات… ترد على الاتصالات التي تسارعت وتيرتها بعد نبأ الوالدة… وتفعل كل ذلك وأنت محجور في غُرفة.

عند العصر… كُنا قد أَبلغنا جميع من خالطوا الوالدة بالحذر…وزوّدنا وفد الوزارة بكل الأسماء والأرقام كي تتم متابعتهم… كان المُبشِّر في الأمر… أنّ أمّي ما زالت بخير… ولا تُعاني من حِدّة في الأعراض.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق