إنسانيات

ماذا فعل بي كورونا؟ الحلقات (1-3)

كُنتُ أُطلّ على الحياة ما خلف النافذة، الحياة التي ما عُدتُ أعيشها كما كانت، حين سمعتُ صوت اهتزاز هاتفي النقال المرمي على كنبة الغرفة عند الزاوية لم أكترث كثيراً بالاتصال فما عادت تهمني لكثرتها وتشابهها! اقتربت قليلاً لأرى ما هو الاسم التالي في القائمة التي طالت وتطول! من هو المتصل الذي شاء أن يقطع تأملي اللامحدود من نافذة الحياة؟! كان الرقم مجهولاً ولأنني كنتُ أتوقع اتصال موظف وزارة الصحة بادرت بالرد على المتصل، قُلت: السلام عليكم، فإذا به “متين” العامل الباكستاني، متين صاحب ال٥٦ ربيعا المُعتاش على ساعده ومعوله المُكتسي بشظفِ عيشٍ يُخبِرُكَ بِهِ وجههُ قبل يده، قال متين:سلام عليكم أرباب، بادلته التحيّة وسألته عن حاله وكُنتُ خِلالَ ذلك أحاول استذكار ما إذا كُنت أدين له بأجر خدمة ما فلماذا يتصل متين الآن؟؟؟

أراحني متين من ذلك العصف الذهني بعد أن سألني: وين إنته أنا زيادة تايم ما فيه شوف، انته مريز؟ صمتُّ لِبُرهة، ابتسمت ابتسامة باهتة و قُلت له: كورونا، نعم كورونا الذي لم أتصور على الأقل أن يطالني بهذه السرعة وبالاحتياطات التي كُنتُ أتّخذها حفاظاً على سلامتي وسلامة أهل بيتي، كورونا الذي جعل متين يتصل ليتأكد بطريقة دبلوماسية، ليتأكد من الخبر، الخبر الذي شاع كالنار في الهشيم وأفزع القرية وأرهق المصاب والسليم.

بدأت الحكاية عندما أطاح الفيروس التاجيّ المستجد بأحد أصدقاء العمل ليرميه في فترة وجيزة مُلقًى في وحدة العناية المُركّزة في غيبوبة بين لُطفِ الله وجهد الأطبّاء نسبةُ الحياة والموت كانت شبه متساوية، الحالة التي حيّرت القائمين عليها وعلى إثرها صدرت قرارات عديدة من أجل التصدي لهذه الجائحة.

كان مصدر تلك الحالة أحد حقول النفط وكُنتُ قد خالطتها في فبرايرحينما كنت أقوم بزيارة عمل سريعة لذاك الحقل، عُدتُ بعدها لمواصلة العمل في مسقط لتتكشف الأمور ويقع المحظوروبعد العلم بالأمر هرعت فوراً لمسؤولي في العمل الذي لم يتردد: غادر إلى بيتك في الحال وسنبقيك على اطّلاع.

علمياً كُنت حينها قد جاوزت الأربعة عشر يوماً من تاريخ المخالطة فما عاد للحجر من داع وإنّما الاحتياط فقط بالبقاء في المنزل، ولكن رغم ذلك خصصت غرفةً خاصّةً بي وقللتُ قدر الإمكان اختلاطي بأهلي، قطعت كل زياراتنا وتجمعاتنا المعهودة ولا خروج من البيت إلا لضرورة وأبلغت والديّ أنني لن أزورهما حتى تنجلي هذه الجائحة وسيبقى اتصالنا بهم هاتفياً للاطمئنان.

مرّت الأيام وازداد اطمئناني بأن لا خطر، فقد جاوزت المدّة المذكورة بمراحل ونبقى على الاحتياطات المعروفة للوقاية.

شاع الخبر في أوساط القرية أنني عزلتُ نفسي وبدأت أتلقى بعض الأسئلة بصيغة المُصاب وأجيب بتوضيح الأمر، أدى ذلك للأسف إلى ظهور هاجس لدى أمّي، فلم تكفِها طمأنةُ الاتصال وأصرّت دون عِلمي أن تأتي بنفسها لتراني بأمّ عينيها، وجدتها يوم التاسع عشر من مارس  بعد صلاة المغرب واجمةً عند الباب، تتكئ على عصاها الغليظة وفي ملامحها وحرفها وعينها كل ما يقول (دعني أطمأن عليك أنظر إليك، أتحسسك لعلّي أزجر به ذاك الأرق الذي ألمَّ بي)، قلت لها: أمي تُمنع المصافحة، قد أكون مصاباً فأنقله إليك!.

وجدتُ نفسي راضخاً أمام تلك الكريمة صاحبة السبعين ربيعاً التي ما عادت تقوى على خدمة نفسها ولكنها رغم ذلك استجمعت قواها وتكبّدت عناء الطريق، خرجت بعد المغرب خِلسَة دون إخبار أحد تتناوب أرجلها الثلاث على حملها تمشي بضعة أمتار وتستريح كل ذلك ليطمئن قلب الأم، دخلنا البيت وبسطتُ فراشاً في مكانٍ مفتوح التهوية كي نجلس، نظرت إليّ وخطفت يدي تصافحني وتضغط عليها كما لو أنها تبعث فيها الحياة، شرحتُ لها خطورة الأمر فأجابت كعادتها بأنها مستعدة للموت، عجّلت في ضيافتها وأعدتها سريعاً إلى بيتها.

دارت عقارب الساعة وكانت الأربعاء يوم الخامس والعشرين من مارس، في تلكَ الليلة وأنا على نافذة الحياة وقد خيّم السكون على القرية إلا من مداعبة نسيم الكوس لأوراق الشريشة المستندة على جدار الحوش من فوقها نجوم كالقلادة في سماءٍ صافية، شعرتُ ببعض الألم في أسفلِ الحلق فبدأت بعضُ الخيالات تجول في ذهني، ولطردها عزوتُ سبب ذلك إلى انخفاض درجات الحرارة بعد الأمطار التي هطلت، طردتُ الوساوس وخلدت للنوم.

في الصباح الباكر، قمت وقد اشتد ألم الحلق، أضحى و كأنه قد جُرِحَ مُراراً بسكين حادّة وغاب الصوت إلا من بحّة غائرة تُشعِركَ بعُمق الألم وجسامة الضرر، تعاظمت الوساوس في ذهني وشددت من جديّة عزلي عن أهلي فما عاد للأطفال فرصة أن يتسللوا إلى غرفتي.

هممت باستشارة قريب من الأطباء، فتحت هاتفي لأتّصل، صُعِقتُ عندما وجدت أحد زملاء العمل قد أرسل” اليوم ثبت مخبرياً أنني مصاب بفيروس كورونا المستجد، وأنصحكم بالفحص إن ظهرت عليكم أيّة أعراض”، اطمأننت عليه، تأكّدت أنني خالطته قبل ثلاثة عشر يومًا وحالاً هاتفت قريبي “الطبيب”: ما العمل؟، نصحني باعتزال الجميع فوراً وقصد المشفى للفحص ثم همس لي وقال: أنا بوزيتيف! وقد أطاح بي كورونا أياماً في الفراش، أنزَلَ عليّ حِمَمَه اللاهبة،ما خبرت مثله! فلا تتأخر ولا تتهاون.

أنهيت الاتصال، وقفت صامتاً! لحظة من التأمل العميق والشتات المطلق يرتسم لي طفلي الصغير وهو يسترق الهرب إلى حضني كلما سنحت له فرصة ابتسامته الدافقة بالحياة، كلماته اللاموزونة وحروفه الناقصة اللذيذة وضحكاته اللاسببية، وجه أمي وهي تسوق نفسها إليّ، تقدّمها في السّن ومرضها المزمن وسيطرة الفيروس على الكبار، عاطفةٌ جيّاشة بين خوف ورجاء،  قطع حبلها المفتول صوت اتصال، الطبيب مجدداً: اذهب للمركز الفلاني ولا تتأخر!.

حملتُ نفسي في الحال إلى المركز الصّحي، دخلت في هدوء، المركز شحيح المراجعين إلا من اضطُر للحضور، تقدّمت نحو موظفة الاستقبال، قُلتُ في ثقة ووضوح: لقد خالطت حالة مُثبتة وبدت علي اليوم بعض الأعراض، تسمّرت الفتاة ثمّ غارت عيناها قليلا والتفّت لجانبها الأيمن فاستلّت لي كمّامة وطلبت مني تعقيم يدي ثمّ قالت: اتبع هذا الخطّ الأحمر على الأرض، سيقودك لغرفة العزل.

مشيت واضعاً كمامتي وخُطاي على الخطّ الأحمر،  بالرغم من قِلّة المراجعين هُناك أحسستُ أنهم جموع كثيرة! لشدّة التحديق والشّك والخوف، هُناك في آخر الرواق أمٌ تضمُّ وليدها إليها وتثني جسدها فوقه كأنها تقيه ما لا تعلم من خطر،رأيتُ فيها أُمّي!.

وجدت نفسي في غرفة العزل لا أحد هُناكَ سِواي، على يميني طاولة مكتبية عليها جهاز كمبيوتر أسود وأمامي حاوية قمامة طبية، على الزاوية البعيدة سرير طبي للفحص وجمع العينات وعلى الأرض صندوقٌ حافظٌ للحرارة لا أعلم ما بداخله. قُصاصات أطفال وملصقاتٌ ورقيّة تُغلِّف جُدران الغرفة،نعم لقد تخلّت هذه الغرفة عن حياتها الطبيعية لتصبح غرفة العزل ذي الخط الأحمر.

مكثتُ غير بعيد هُناك إلى أن جاءني دكتوريكتسي واقيات كثيرة  في يديه ووجهه وجسده إلى أخمص قدميه، أخذ بياناتي كاملة ثم فتح ذلك الصندوق الأرضي-يبدو أنه لحفظ العينات- أخرج منه عُدّة الفحص ثم طلب مني الانتقال إلى السرير، أخرج ما يشبه القشّة طويلة طول شِبر في آخرها ما يشبه القطن الذي في عود تنظيف الأذن، “سيؤلمك قليلاً” قال الطبيب ثم أدخلها في أنفي ولا أعلم إلى أي مدى! ثم أدارها يمنة ويسرة ،أدمعت عيني قليلا، قال: معلش بس عشان تزبط العينة، انتهى من الأنف، أمسك بالقشة الثانية: افتح فمك لنأخذ عينة من أسفل الحلق، كُنتُ سأُخرج ما في بطني مرتين بسبب ردّة فعل الجسم لوجود شيء في الحلق، قال الدكتور: معلش انتهينا.

هذه ورقة إجراءات الحجر المنزلي، وقع هنا على التعهد والنتيجة بعد يوم عندك سؤال؟ قلت: لا!، عقّمتُ يدي وأخذت أوراقي ورحلت

ج.ب

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق