إنسانيات

ماذا فعل بي كورونا؟ الحلقات (4-6)

في مواقف المركز الصحي…وقبل الانطلاق إلى البيت…خطر لي أن أُبلغ الطبيب أنني أتممت الفحص… مُصادفةً  وجدتُ أخي قد أرسل… بأن أُمّي تُعاني من حُمّى…. أردف بأنها رفضت الذهاب للمستشفى…وهو غير مُطمئن لحالها…. أصابتني رسالته بالرّعب… يالله… كيف لهذه الأحداث أن تتوالى هكذا… ولهذا الشك والخوف أن يجتمع.

دخلتُ في مرحلة تفكير عميق… مُحاولاً رؤية مآلات هذه السيناريوهات…ثُمَّ أرسلت لكل الإخوة… بأن تُعزل الوالدة… مع الرعاية والمُلاحظة إلى حين ظهور نتيجة الفحص الخاص بي… فزيارة المستشفى في هذه الأوضاع… هو بحد ذاته احتمال أكبر للإصابة بالمرض.

عُدتُ إلى البيت… شدّدتُ على العدد القليل من الذين خالطتهم في الفترة المُنصرمة…أن يعزلوا أنفسهم احتياطاً إلى حين ظهور النتيجة…فوسوس بعضهم وهوّن بعضهم واستبعد البعض الآخر.

تتابعت الأعراض…بالإضافة إلى ألم الحلق… والصوت الغائر المخلوف ببحةٍ تختفي فيها بعض الحروف…تُحسّ بأن عظامك قد فُكّت عن بعضها ودُقّت….فكل حركة منك في أيّ اتجاه تُؤلمك… وحُمى داخلية تشوي جسدك…ورأسك كأنّه توسّع وتمدد… فأصبح أكبر وأثقل …وأثقل…حاولتُ مُجابهة ذلك بصنوف الطعام الصحي المُعزز بالعسل والزنجبيل والثوم.

أحسست في تلك الليلة بخوفٍ لا يوصف… وضيق تنفس لا أعلم هل كان حقيقاً أم خيالا نفسيا…وترقّبا لِما سيسفر عنه الغد… والأيام التي تليه…واستشعارا لحال تلك الكريمة…ومُحاولة التعايش مع ذاك الألم الذي يَخِزُّك في قلبك… أنتَ السبب…ألمٌ يخلقُ مرارةً في حلقك… وتُخبرك نفسك أنك لن تُسامح نفسك إن حدث ما لا تُحمد عُقباه.

أشرقت الشمس… وغرّدت العصافير على شريشة الحوش… جَلَبَ “صدّيق” عامل المزرعة الحليب الطازج كعادته… وضعه عند الباب وضغط على مفتاح الجرس تُن تُن ورحل…صاحَ “الوارث”  ابني البِكر: غايتة الرحلة…. فقد اعتاد أن يصنع لنا رحلة يومية بأن ينقل الإفطار من صالة المنزل إلى تحت ظلال الشريشة… أما أنا فأعتذر اليوم… لا مِساس.

مرّ ذلك اليوم مُبهماً من معانٍ كثيرة…. كالأكل الخالي من الملح والطعم… وليس فيه سوى انتظار طويل… طويلٌ طويلٌ…يدفعك  وضع الوالدة والمعزولين الآخرين… لمزيد من الانتظار  والقلق والاستعجال.

حلّ المساء وما رنّ الهاتف… والخبر المُنتظر لم يَصِل… حاولت الوصول إليه دون جدوى…تواصلت الأعراض وما فَتَرَتْ…تتابعت رسائل الإخوة و المعزولين…ما الجديد؟؟… لا جديد…تأخّر الوقت…غاب النوم.

حلّ السّبت… هاتفني الطبيب القريب….يسأل بصيغة الاطمئنان: كيف هي أحوالك؟…كيف تشعر؟… كيف الأعراض؟… بعد أن  أجبت… استرسل الطبيب: هل اتصلوا بك؟ قلتُ لا… تنحنح قليلاً ثُمّ قال :”طيب… النتيجة بوزيتيف… وبيتصلوا بك ويزوروك وتو لازم نعرف وضع والدتك”…لا أذكُر ماذا كان ردي حينها… فقد كنتُ أكلمه وهناكَ زحام عظيم للأفكار في رأسي…. رأسي الثقيل أصلاً…المُمتلئ بكمٍّ هائلٍ من الألم والخوف والندم… قفلتُ السمّاعة وإذا برقمٍ مجهول… أجبت فتكلّم المتصل… حيّاني واسترسل: معك فُلان من المديرية… وبنزورك بعد المغرب… لو سمحت أرسل لنا موقع البيت.

شارفت جبال الحجر الغربي أن تبتلع شمس ذلك اليوم… وارتسمت حُمرةٌ فاقعةٌ على الأُفُق… لعلّها تُخبرُ بشيء … أرسلتُ لأخي أُعلمه بالأمر… وأن ينسق فوراً لفحص الوالدة…أذّن المؤذن… أتبعَ أذانه صلّوا في رِحالكم….صلّت الناس…. حلّ الليل… وما هي إلا دقائق…ورنّ الهاتف من جديد: نحن جنب البيت.

خرجت لرؤيتهم… وجدتهم حينها قد بدأوا بوضع الكمامات والقفازات الواقية…سألتهم باعتذار هل ستدخلون؟… قالوا نعم…حاولتُ جاهداً أن لا يلمسوا شيء… دخلوا وجلسوا في الطرف المقابل لي…أخذوا التفاصيل كاملة…أخبرتهم عن الوالدة… أشاروا بضرورة الفحص العاجل… غداً أوّل الصّباح…لا تتأخر ونحن سنتابع الموضوع.

همّوا بالمغادرة…الساعة كانت تشير إلى الثامنة… وما زالوا على رأس عملهم…يدخلون غرف المصابين… يؤدّون واجبهم… ثُمّ يعودون لأهلهم وهم في شك… شكٍّ دائم…لا يزول إلا بزوال الجائحة أو الإصابة….تأملت ذلك فيما ينزعون عن وجوههم وايديهم ما وضعوه… عقّموا أيديهم… لتنطلق السيارة وتتلاشى خلف البيوت.

تواصلت الأعراض تلك الليلة بصورة أكثر حدّة..  زاد تأثيرها العامل النفسي… أنا مُصاب…كلمة تُشعرك بالخطر…تُدخلك في دوّامة التخيلات… كُنتُ أحاول النوم… رنّ الهاتف في وقتٍ مُتأخرٍ جداً… تحسست الهاتف في ظلمة الغُرفة… إنها أختي… ظَننتُ أنّه اطمئنان….بادرت بالرّد عليها… في صوتها نبرةُ حُزن وتوجّس… سألتني عن حالي… واستطردت: كيف بدأت الأعراض؟… فسّرت لها فصمتت لثوانٍ… ثم قالت: أشعُرُ أنّ لديّ نفس الأعراض…صمت لأستوعب.. ورفعتُ يدي على رأسي الثقيل…أضغط عليه علّهُ يُعينني على الاستيعاب…وجدتني أقول لها كلاماً يقويها ويشجعها في حين أنه أخافني… أخافني لأن لديها طفلة لم تُكمل العام… كُنت أُكلمها وأُفكّر…قُلتُ لها في النهاية: ستذهبين للفحص غداً مع الوالدة… وعسى خير.

رميتُ نفسي على الفراشِ مُتفكّراً في سُرعة الأحداث… قطع حبل تلك الأفكار ضيقُ نفس… أشعر أن الأُكسجين الداخل لا يكفي… فأبذل جهداً إضافياً لدفع المزيد منه إلى رئتيّ… أنجح في ذلك لدقائق… ثُمّ أعود لنفس الدائرة…بقيتُ على ذلك الحال لما يقرب الساعة… كان عهدي بالساعة حينها أنها الواحدة والنصف ليلاً…وفُرِجَت.

صباحٌ جديد…الأخت والأم للمستشفى من أجل الفحص… وهُناك صلواتٌ كثيرة أن تكون النتيجة سلبية… اتّصل الأخ المسؤول عن حالتي من قِبَل وزارة الصحة… كان يطمئن عليّ يومياً صبح مساء… كان يُطمئنني أن أعراض حالتي متوسطة… كان ذلك اليوم الرابع… وفعلاً أحسست بحالٍ أفضل.

حالُ الأسرة الكبيرة كان مُربِكا…على ضوء معطيات أُمي وأُختي… عُزِلَت أربعة بيوت…. وكل من ينتمي لتلك البيوت شكّ في نفسه… وتمارض بعضهم دون مرض…وتهافتت الاتصالات من كل حدب وصوب…تسأل وتُحلل وتقترح…وبعضها يعاتب ويلوم.

أكملتُ أيّاماً في العزل…أقضي وقتي بين عملٍ وأكلٍ ونوم… ولا اتصال مع الحياة خارج الغرفة إلا من نافذة الحياة… ولعل أصعب اللحظات حينما يودّ طفلك أن يُعبّر عن حبّه وشوقه إليك… فيضع كفّه على زجاج نافذة الحياة…. طالباً منك أن تضع كفّك في المقابل.. استشعرتُ حياة السُّجناء… لا نَديم يبادلك الكلام… ولا حُرّية حتى في مُحيط بيتك…والأيام أرقام فقط.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق