إنسانيات

ما هي وظيفة اللغة؟

تعتبر اللغة ظاهرة ثقافية وأيضًا السمة المميزة للجنس البشري الحديث؛ بالتالي فإن مسألة كيف ولماذا اكتسب البشر اللغة تهم علماء الأنثروبولوجيا الثقافية والبيولوجية في سياق الرؤية الداروينية في ظل وجود أدلة على امتلاك (النياندرتال) لوسائل عضوية تساعده على إصدار أصوات ذات دلالة، حيث طُرحت تساؤلات ليس فقط حول التطور الفيسيولوجي، بل تطور اللغة في حد ذاتها أيضا. 

وقد أثار داروين هذه القضية حين تساءل: هل اللغة ثمرة مباشرة للتطور أم هي ظاهرة عارضة نتجت بشكل غير مباشر عن التطورات الذهنية؟ هل نمو الدماغ أنتج ظهور اللغة بالتالي أنتجا التطورات الذهنية؟ أم أن نمو الدماغ وتطور المهارات الذهنية أنتجا اللغة؟ وهذا أشبه بإثبات علاقة سببية مع مخاطرة الوقوع في شباك سببية معكوسة إن لم نكن نمتلك الدلائل الكافية، ولا إجابة قطعية يمكن البت فيها بعد، بيد أن بعض الفروض العلمية وُضعت ودُرست. 

إن أولى فرضية قد طرحت هي أن اللغة نتاج مباشر للتطور، باعتبار أنها أخص خصائص الجنس البشري، والجدل ها هنا هو لماذا تطورت اللغة؟ ومن الإجابات الشائعة هي القول بأن اللغة تمكن الإنسان من تكوين روابطه الاجتماعية، لكن النقد الموجه لهذه الإجابة هو أن الرئيسيات تمتلك حياة اجتماعية ثرية ومعقدة وتحالفات سياسية مع قدر أقل من التنافس مع أنها لا تمتلك لغة؛ على النقيض من البشر الذين لم تساعدهم اللغة على استئصال عدوانيتهم.

 أما الفرضية الثانية فتدور حول كون الإنسان كائنا قارتا يعتمد على جني الثمار والصيد في آن معا، إلا أن دراسات حول الإنسان البدائي والإنسان المعاصر الذي يعتمد على الصيد كقبائل البوشمان، تدلل على أن اعتماد المجموعات على ما تجنيه النساء من ثمار أكثر مما يصطاده الرجال، وبجانب ذلك فإن صِفة الاصطياد في مجموعات ليست أفضلية للإنسان فقط، بل إن أنواعا عديدة من الحيوانات تقتنص فرائسها بهذه الطريقة كقردة الشمبانزي التي تقتات على صغار قردة الكولوب في مجموعات صيد وأيضا مثل الضباع والأسود.

 الفرضية الثالثة تشير إلى أن اللغة تمكن الإنسان من التعبير عن احتياجاته، لكن هنا تساؤلات تُطرح من قبيل: هل الأطفال الرضع يستطيعون التحدث بلغة محكية تجعل الآخرين يفهمون مرادهم؟ ماذا عن الكلاب والقطط هل تملك لغة محكية للتعبير عن رغبتها في الطعام؟ ماذا عن الطرف الآخر، هل يفهم مراد المحتاج كالرضيع والحيوانات الأليفة وهم لا يتحدثون بلغة ما؟ يبدو أن اللغة ليست بالضرورة نتاجا تطوريا للتعبير عن الاحتياجات، وعلاوة على ذلك، فإن الإشارات التحذيرية بالأصوات لا تقتصر على الإنسان فقط، فالحيوانات كالمرموط والقرد الأفريقي الأخضر تستعمل العديد من الإشارات الصوتية التي تدل على حيوانات مفترسة حين يداهمها الخطر، لكن يبدو أن ميزة اللغة أنها تتيح للإنسان تمثيل المعلومة وإبلاغها وهذا لا يقتصر على حالة الخطر.

 بناء على ما سبق، فإن اللغة ليست مجرد نتاج للتطور، لكنها نتاج فرعي للتطور الفكري يكون الإنسان بفضله قادرا على تمثيل المعارف؛ فتصبح اللغة ذاتها هدفا للتطور.

*_التداولية اليوم_ آن روبول وجاك موشلار(بتصرف)*

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق